عالم أزهري يطمئن قلوب المحبة برسالة إيمانية (فيديو)

الداعية الدكتور قابيل حامد من علماء الأزهر والأوقاف

“أيام الله”

ليست مجرد أحداث، بل هي “مشاهد القيامة الصغرى” في الأرض. إنها اللحظات التي تتداخل فيها السماء بالأرض، فيُرفع الحجاب عن سنن الله الجبرية، ويرى المؤمن بعين بصيرته ما لا تراه عين رأسه.

 

 

قال تعالى في سورة إبراهيم (الآية 5):
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾

لاحظ الربط المعجِز: التذكير بـ”أيام الله” هو عين عملية الإخراج من الظلمات إلى النور. أي أن الجهل بأيام الله هو حبسٌ في الظلمات، ومعرفتها هي الفتح على النور.

الداعية الدكتور قابيل حامد من علماء الأزهر والأوقاف

ثانياً: القصة الأولى – أيام الانتقام والنجاة (قصة موسى وفرعون)

هنا العمق الشديد: أيام الله مع موسى لم تكن كلها نصراً ظاهراً، بل كانت معركة بين الجبروت البشري (فرعون) والجبروت الإلهي.

· يوم الطوفان والجراد والقُمّل والضفادع والدم (آيات مفصلة): كانت هذه الأيام أشبه بـ”تفكيك” كيان فرعون من الداخل، فكل آية كانت تنقض على ركن من أركان استكباره.
· يوم الغرق (يوم الفصل الأكبر): قال تعالى مشكّلة:
﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴾ (الشعراء: 63).

الداعية الدكتور قابيل حامد من علماء الأزهر والأوقاف

وهنا العمق: يوم النجاة لم يكن يوماً لموسى فقط، بل كان يوماً للبحر أن يطيع، وللجماد أن ينطق بالإعجاز. والتذكير بهذا اليوم ليس للاستمتاع بالقصة، بل لإيقاظ الشعور بأن السنن لا تتغير؛ فمن كان مع الله، يجعل له من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ولو كان أمامه بحرٌ مُغْرِق.

ثالثاً: القصة الثانية – أيام الاستدراج والإمهال (قصة قوم عاد)

هنا أعمق بُعد نفسي في “أيام الله”، إنها أيام الإمهال الإلهي التي يظن فيها الظالم أن النعمة استقرار، فتكون وبالاً عليه.

يقول تعالى مشكّلة عن يوم عذابهم:
﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا ﴾ (الحاقة: 7).

“حُسُوماً” أي قطعية الموت، ولكن العمق ليس في الدمار، بل في الأيام الثمانية التي سبقته. تلك الأيام كانت مليئة بالريح اللينة التي تثير الغبار، وكانوا يظنونها نعمة، حتى إذا رأوها تُقلع الخيام وتحطم الأجساد، أدركوا أنها “أيام الله”، ولكن بعد فوات الأوان.
التذكير بهذه الأيام يعلمنا أن النعم التي لا تشكر تتحول إلى نقم، وأن استمرارية الحياة ليست دليلاً على الرضا، بل قد تكون استدراجاً.

رابعاً: القصة الثالثة – أيام التمكين الخفي (قصة أصحاب الكهف)
وهنا أغرب “أيام الله” وأعمقها، إنها أيام تعطيل قوانين الزمن، ليثبت الله أن “يومه” ليس كأيامنا.

يقول تعالى مشكّلة:
﴿ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ﴾ (الكهف: 25).
أيامهم كانت نوماً، لكنها في سجل الله كانت عبادةً وتمكيناً وإعجازاً. العمق هنا: أيام الله قد تمرُّ على العبد وهو نائمٌ عن الأسباب، ولكن الله يُجري سننه في الظاهر؛ فلا تيأس إذا رأيت الزمن يمر بك ولا ترى تغييراً، فقد يكون مرور الوقت نفسه هو “يوم الله” الذي يُعدّ لك فيه النصر بصمت.

خامساً: أعمق بُعد يجمعهنَّ (السر المكتوم)

عندما تأمر الآية بالتذكير بهذه الأيام، فالمقصود هو تكوين “ذاكرة إيمانية” جماعية. البشر كائنات تنسى، ولولا القصص لما عرفنا وجه الله في التاريخ.

لكن العمق الفلسفي الأكبر يكمن في أن “أيام الله” لا تنقضي بانقضاء الأمم، بل هي تتجدد في حياة كل مؤمن:

· يومك الذي استجيب لك فيه دعاء هو نظير يوم موسى في انفلاق البحر.
· يومك الذي ابتليت فيه ثم عوفيت هو نظير أيام عاد قبل العذاب (لكنه للتنبيه لا للهلاك).
· يومك الذي نمت فيه آمنًا بعد خوف هو نظير يوم أصحاب الكهف.

لذلك ختمت الآية بوصفين: ﴿ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾.
فمن لم يصبر على مرِّ أيام الله (أيام الابتلاء)، ومن لم يشكر على حلو أيامه (أيام النعماء)، فإنه يمر على آيات الله كالأعمى. أما الصبار الشكور، فهو الذي يحوِّل كل يومٍ عابرٍ في حياته إلى “يومٍ من أيام الله”، فيستخرج من الألم عبرة، ومن الفرح منة، ومن الزمن قُربى.

وهكذا يصبح التذكير بأيام الله ليس استرجاعاً للماضي، بل صناعةً للحاضر المؤمن، الذي يمشي على الأرض وقلبه معلق بسنن السماء.

تابعنا عبر هذه :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
WhatsApp
Telegram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع أخبارنا
تابعنا الآن

    اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

    تابع أخبارنا علي مدار الـ 24 ساعة ممكن تسجل الآن

    Create a new perspective on life

    Your Ads Here (365 x 270 area)
    تابع أخبارنا
    تابعنا الآن

    Create a new perspective on life

    Your Ads Here (365 x 270 area)
    تابعنا الآن

    Create a new perspective on life

    Your Ads Here (365 x 270 area)

    نبذة عنـــــــــــــــا..

    موقع حزب حقوق الإنسان والمواطنة الإخباري

    “موقع حقوق الإنسان والمواطنة” موقع إخباري إلكتروني شامل، يصدر عن حزب “حقوق الإنسان والمواطنة”، وتم تدشينه رسميا في 12 نوفمبر من عام 2024.

    يعمل “حقوق الإنسان والمواطنة نيوز” وفق القواعد المهنية والإعلامية الأصيلة، تحت شعار “صحافة بقيمة الوطن”، مع الحرص التام على المصداقية المطلقة وشفافية المعلومات في كل الأخبار.